ابن باجة

103

تعاليق ابن باجة على منطق الفارابي

حيوان ، فإنّا نجد المعنى المفهوم منه لا يعرّف من كلّ ما يقال عليه من إنسان وحيوان وفرس إلّا ذاته وجوهره ، ولا يعرّف من موضوع أصلا شيئا خارجا عن ذاته . ومثال الكلّي الذي هو عرض كلّي بإطلاق قولنا حمّى ، فإنّها تعرّف من حمّى الورد أو الغبّ ذات الحمّى الورد ( أو الغبّ ) وجوهرها على العموم ، فإنّها حرارة بصفة كذا . هذا إذا أخذنا كلّي الحمّى في موضوعها الذي يؤخذ فيه تعرّف ذاته وجوهره ، فإنّ أخذناها في الموضوع الآخر الذي توجد أيضا فيه ، وهو الإنسان ، عرّفت من الإنسان شيئا خارجا عن ذاته . ولمّا أخذنا أمرين موضوعين لها ، سمّي أحد الموضوعين الذي هو جوهر له باسمها حمّى ، وسمّي الآخر باسم مشتقّ من اسمها ، فقيل فيه محموم عموما بالعرض . والذي يسمّى حمّى قد عرّف من حمّى الورد ذاتها وجوهرها ، وعرّف من الإنسان شيئا خارجا عن ذاته ، وهو جوهره بالإضافة إلى حمّى الورد وعرض بالإضافة إلى الإنسان . 3 . فقد تبيّن أنّ الكليّات ضربان ، ولا بدّ لكلّ كلّي من شخص يسند إليه في الوجود خارج الذهن . والأشخاص ضربان : شخص عرض وشخص جوهر . فشخص الجوهر لا يمكن أن يحصل في النفس من جهة ما هو شخص جوهر ، إذ لا يفارق ما هو شخص وجوده خارج النفس فلا يحصل كما هو في النفس ، فإنّ الحاصل في النفس بالمعرفة ما يحاكي الشيء لا الشيء نفسه . لكنّ منها ما يحاكيه بما يقوّمه ومنها ما يحاكيه بما لا يقوّمه ما هو جوهر لشيء أو أشياء بها قوامه . وأمّا هو فهو خارج النفس ذات نفسه لا جوهرا ولا ذاتا لشيء ، فلذلك استحقّ أن يسمّى جوهرا بإطلاق ، وكان أحقّ باسم الجوهر وبالذاتيّة من كليّاته ، إذ كليّاته جوهر وذات . فهذا لا ذات ولا جوهر بذاته ، فإنّ معنى ذات الشيء وجوهر الشيء واحد بعينه . فالذي هو ذات بنفسه وجوهر بنفسه أحقّ أن يسمّى جوهرا . فلذلك قيل فيه إنّه الجوهر الأوّل ، وفي كليّاته إنّها جواهر ثوان . 4 . والعرض الكلّي لمّا كان له موضوعان ، فإنّه خارج النفس موضوعان يسند إليهما موضوع هو شخص يعرّف ذلك الكلّي ذاته ، وموضوع هو شخص لا يعرّف ذلك الكلّي ذاته . فموضوعه الذي هو شخص يعرّف من ذلك الكلّي ذاته لا يمكن أيضا حصوله في النفس . إذ لا يتجرّد عن / موضوعه الذي هو شخص